شبام التاريخية بين خطر الإهمال وتخريب منظومة الري التقليدية
علوي بن سميط
مخاطر تحدق بشبام التاريخية وتحاصرها، فما هو ليس معلوم بل ومجهول عند الكثير، بما فيها جهات معنية ومسؤولة أهلية وحكومية، هو القادم من عدم الاهتمام بالأرض الزراعية التي تعتمد على الري الموسمي (أراضي الربة) التي خُطط لها بهندسة للري التقليدي منذ القدم، وذلك للإنتاج والتأمين المعيشي والغذائي. وهي منظومة وشبكة متكاملة، أي خلل أو إهمال في جزئية منها ينعكس ليس فقط على ذلك الهدف، بل وزحف الخطر وتخريب المدينة التاريخية.
تمتد هذه الشبكة من سد الموزع (الحاجز المائي) غرب شبام، وعبر ساقية طويلة متسعة يوزع المياه بنسبة عادلة لهذه الجروب المحيطة بمدينة شبام، التي هي من صنع الإنسان الشبامي، بمساحات متفاوتة لها حدودها بجدران طينية (أسوام) مرتفعة، بحكم تراكم الطين بعد كل تصفية للجرب ما بين السيلين، إذ يأتي السيل فيما بعد ليضع الطمي الجديد لتزدان الزراعة المطرية – السيلية.
شبكة منظومة هذه الزراعة ومكوناتها: السواقي، والمساقي الفرعية، والبدود، والمضالع، وكل ذلك الذي عمل وصنع بدقة متناهية ومحسوبة. فإن لم يشرب جرب واحد فقط فمعنى ذلك أن خللًا ما في هذه المنظومة، ويعني ارتفاع منسوب المياه وضغطها على الجدران الطينية (الأسوام). وتلك الشبكة تحيط بشبام شرقًا وغربًا وشمالًا، أما مجرى السيول الكبيرة التي تفيض عن حاجة هذه المستوعبات فتمر بالبطحاء جنوب المدينة، وهو ممر رملي اتساعه شمال–جنوب يزيد عن 100 متر، أما طولًا فمن الغرب تحديدًا من (سك) سعيدية وحتى الجسر الأرضي شرقًا يفوق الـ 500 متر.
من متى بدأ إلغاء دخول مياه السيول إلى هذه الجروب؟ في الثمانينيات، ومنذ تمرير الخط الأسفلتي الجديد 83 – 84م، مُنع أكثر من 2 على خمسة أي خُمسين من المياه القادمة لتغذية الجروب في جزء من الجهة الغربية الشمالية، والذي بالفعل ازداد الضغط على المدينة فبدأ السيل يخترق هذه الأرض ويعمل أخدودًا وفتح له طريقًا. ثم في نهاية التسعينيات بُنيت عدد من حظائر الأغنام السائبة ومُنعَت المياه عن عدد من الجروب وأُغلق مسقى فرعي!! ولم يكن مشروعًا ناجحًا للغرض الذي أنشئ من أجله.
ثم في الألفية الجارية، وتحت مسمى مشروع الحزام الأخضر والأمن الغذائي، أُغلقت بعض الجروب تحت مسميات متعددة لمناشط الجمعية المسؤولة عن هذه الأرض الزراعية الموسمية. ثم في هذين العامين مُنعت المياه من دخول جروب واسعة تحت تجربة إنشاء زراعة (اكتفاء ذاتي!!!!!) والزراعة على الطريقة المحمية في الجروب والأرض الربة!! وهكذا تتصاعد عملية إغلاق الجروب من جهات اعتبارية سواء محلية أو أجنبية.
قبل كل ذلك، في أقصى غرب شمال هذه الأرض في السبعينيات، أُغلقت جروب تحت مسمى الاستصلاح والمسح الزراعي وتحويلها إلى مزارع بالري الدائم. كل هذا الإغلاق والمنع تحت مسمى (التطوير وإكثار الإنتاج) وآخرها تحت مسميات براقة (الصمود، الأمان المعيشي) وكل هذا بتمويل من منظمات دولية وعربية لا تعلم خصوصيات الجروب، وأنها زراعة موسمية تعتمد على السيول، وأن إغلاق كمية من هذه الجروب يعني زيادة الضغط على الأرض وتداخل الجدران الطينية وذوبانها ثم اقتراب السيل من السور والبيوت ولطمها وتخريبها. ولعل ذلك يسير ببطء والكل يتفرج.
إضافة إلى ذلك، فإن السنوات الأخيرة بيعت وأُجرت عدد من الجروب جهة الشمال من هذه الأرض، وتم مسحها وتغيير حدودها ومُحيت الأسوام، والكل يصمت. فمن الذي باع وأجر وبأي حق؟! وإقامة منشآت بالجروب! ولكن لا أحد يتحدث، وكأن الأمر يمنع الاقتراب والخوض والتساؤل حتى كيف؟ ومن أعطى الحق في ذلك؟ لذا طالما مسألة التخريب المتعمد وبهدوء مستمرة، لأن هناك عدم التزام من الأطراف بأعراف (الربة) التي تتداول جيلًا بعد آخر، وأن ما يجري مما سبق أعلاه هو خروج عن الأعراف والتقاليد التي هي بمثابة قوانين الكل ملتزم بها.
ملكية هذه الأراضي لمن؟!
هذه الأرض أو الجروب أكثر من 85% هي أراضٍ أوقاف، وقليلًا هي ملكيات، والملكيات لزامًا أن تكون بوثيقة عرفية / رسمية معتمدة، لذا لا يحق لأي كان البيع أو التصرف أو التغيير والاستبدال في الأرض. ولكن ما يجري الآن (سمك، لبن، تمر هندي). إضافة إلى تداخل الإشراف وازدواجية الإدارة، فلا نعرف هل هي أضحت مباحة لغير أهلها ومباحة من سلطات الدولة والأجهزة التي تمثل الدولة. بل حتى أي مشروع تريده منظمة أجنبية تختار الجروب دون معرفة ماذا يعني الدخول إلى جرب وتغيير المفاهيم والمعايير يُعطى لها. فالحق لمن؟ وقد لا ندري أن نصحو يومًا ونرى مخططات سكنية بهذه الأرض وأنها قد مُسحت!
كم أُنفِق على هذه الجروب وشبكة السواقي والمساقي!!؟
خلال الخمس عشرة سنة الماضية قدمت الحكومة الألمانية منحة مقدارها مليون وخمسمائة ألف يورو!! بهدف الحفاظ على منشآت الري في الجروب، ونُفذت من قبل الجمعية المعنية بالجروب (الربة). وقبل ذلك في 2008م عقب الأضرار سلمت GIZ ثمانية عشر مليون ريال يمني للجهة الأهلية لمجابهة الأضرار في هذه الأرض وغيرها من الملايين الأجنبية والمحلية حتى العام الماضي. ولست بصدد التقويم إن كان هناك عمل فعلي، لكن أن يصل الأمر إلى إغلاق جروب تحت مسميات مشاريع! أو نتيجة عبث من القائمين على الجروب بادعاء ملكيتها! أو من جهات حكومية، فهذا يعني عمل ممنهج لتخريب منظومة قديمة قدم المدينة ذاتها، وتجاوز للأعراف والتقاليد والمصالح العامة لشبام وأهلها.
وأيًا كان الذي يقدم على ذلك محليًا أو أجنبيًا بصفته الشخصية أو الاعتبارية لن يكون إلا يعمل للصالح الخاص وليس العام، ومهما كانت المبررات فإن النتائج ستنعكس عاجلًا أم آجلًا، فالتاريخ لا يرحم.
ما تحتوي الشبكة أو منظومة الري والجروب السيلية يمكن ذكر عدد من أسماء ومسميات الجروب الداخلة في هذه المنظومة المحيطة بشبام التاريخية، منها: الزاهر، باحجاج، الحطيط، التخية، دقوسات، بديعات، الخلعان، جبرا، حبابه، بافردم، برزام، أم العماني، بافردم، بامنجم، بلحمضان، محيمود، باهميم، المريبة، دومانه، أسماء، رباب، باغنيم، فارس، البطح، بطيط، باخمير، باسليم، هيصم، رفيعة، لخضر، بايحيى، شبيعة، بامريمر، حشيوانية، المطاول، خماسة، الخلعان، وغيرها، وهو مرصود ومسجل.
والإجمال التقديري للمساحة المروية بالسيول أي الأرض 268 هكتارًا، إلا أن التي تُروى فعليًا أو الصافية 160 هكتارًا، تُغذى عبر ساقية رئيسة قادمة من (الموزع) غرب شبام حتى تحت المدينة أو الساقية الأم بطول أكثر من 7 كيلومترات، وعدد الجروب التي تتغذى منها عبر مساقي وقنوات فرعية أكثر من 245 جربًا حوالي شبام. أما الطول الإجمالي للسواقي المتوسطة والصغيرة المتشعبة بهذه الأرض فيزيد عن 65 كيلومترًا.
ولكل جرب من القدم “سقيفة” – بيت صغير – يقع في مرتفع السوم وأمامه “وصر” (باحة) هو بمثابة مكان للجلوس وأيضًا بيدر يتم تطييب وتنقية الحصاد. تستخدم هذه البيوت الصغيرة جدًا فيما مضى للسكن، حيث أن أهله يمضون موسم الزراعة بعد حراثة الجرب بعد الشرب إلى نهاية الحصاد. وعدد هذه السقايف البيوت الصغيرة الطينية بكل مرافقها أكثر من 142 سقيفة.
ولكن لم تعد تستخدم كما كان بالسابق، بل لعدة أيام. بالسابق كان يسكنها الأهالي أصحاب أو مخابري الجروب لفترة تزيد عن الخمسة الأشهر في بعض المواسم. وقد رُمم أحد المشاريع الأجنبية نحو ما يزيد عن 100 سقيفة من تلك البيوت الصغيرة الواقعة بين الجروب والأسوام وبين النخيل التي أصبحت هي الأخرى جذوعًا خاوية!!
وأذكر بعضًا من المساقي المهمة في المدينة (الربة) كالنقر، شقية، الفرس، الكراع، المصلى، باشن.
إن شبكة الري السيلية التقليدية القديمة من أروع نتاجات الإنسانية ككل، التي أبدع فيها الإنسان الشبامي القديم وتؤدي وظيفتها من القدم حتى اليوم، على الرغم مما أصابها من تعديات وتغييرات. فالحفاظ عليها مهمة الكل، والرقابة عليها واجب الجميع، وأن المخاطر التي تحاصرها وتحاصر المدينة الوقوف أمامها واجب الدولة، إذ لا تقل أهمية عن المدينة، فهي أبرز المعالم الحياتية.
الصورة للأرض الجروب الزراعية المحيطة ب شبام التي تظهر كثمار معلقة على غصون شجرة فروعها كما تظهر وهي السواقي الرئيسة والفرعية الصورة التقطت قبل ٢٠ عاما بتصوير طيران شراعي لمصور فرنسي محترف